ابن العربي

669

أحكام القرآن

وتعلق أحمد في إحدى روايتيه ومن تابعه عليها بأنه خصّ المتعمد بالذكر ، فدلّ على أنّ غيره بخلافه ، وزاد بأن قال : الأصل براءة الذمة ، فمن ادّعى شغلها فعليه الدليل . وأما متعلق من قال : وجب في النسيان تغليظا فدعوى تحتاج إلى دليل . وأما من قال : إنه خرج على الغالب فحكمة الآية وفائدة التخصيص ما قالوه ، فأين دليله ؟ وأما من قال : إنه وجب في النسيان بالسنة فإن كان يريد به الآثار التي وردت عن ابن عباس وابن عمر فنعمّا هي ، وما أحسنها أسوة « 1 » ! وأما من تعلق بالقياس على كفارة القتل فيصحّ ذلك للشافعي الذي يرى الكفارة في قتل الآدمي عمدا وخطأ ، فأما نحن - وقد عقدنا أصلنا على أن قتل العمد في الآدمي لا كفارة فيه ، وفي قتل الصيد عمدا الكفارة - فلا يصحّ ذلك منا لوجود المناقضة منا بالمخالفة فيه بينه وبينه عندنا . والذي يتحقق من الآية أنّ معناها أنّ من قتل الصيد منكم متعمّدا لقتله ناسيا لإحرامه ، أو جاهلا بتحريمه ، فعليه الجزاء ؛ لأن ذلك يكفى لوصف التعمد « 2 » ، فتعلق الحكم به ، لاكتفاء المعنى معه . وهذا دقيق فتأمّلوه . فأما إذا قتله متعمّدا للقتل والإحرام فذلك أبلغ في وصف العمدية ؛ لكن من الناس من قال : لا حجّ له . وهذه دعوى لا يدلّك عليها دليل من ظاهر القرآن ولا من السنة ولا من المعنى ، وسنستوفى « 3 » بقية القول في آخر الآية إن شاء اللّه . المسألة الحادية عشرة - قوله تعالى : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ : الجزاء في اللغة هو المقابل للشيء ، وتقدير الكلام : فعليه جزاء في مقابل ما أتلف « 4 » وبدل منه ؛ وقد حققنا ذلك في كتاب ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين ، وقد تقدم أمثاله قبل هذا ، وعليه يحمل جزاء الأعمال ؛ لأنه في مقابلتها ثوابا بثواب وعقابا بعقاب ، ودرجات ؛ ودركات ، وذلك محقّق في كتاب المشكلين .

--> ( 1 ) أسوة : قدوة . ( 2 ) في ا : المتعمد . ( 3 ) في ل : وسنستاق . ( 4 ) في ا : فعليه جزاء أي مقابل لما أتلف .